محمد بن يزيد المبرد

362

المقتضب

ويدلّك على ذلك قولك : « ضربت زيدا مائة سوط » ، لست تعني أنّك ضربته بمائة سوط ، ولكنّك تعني أنّك ضربته مائة ضربة بسوط ، أو بأكثر من ذلك من هذا الجنس . وأنت إذا قلت : « أعطيت زيدا مائة درهم » ، أو « كسوته ثوبين » ، فإنّما أوصلت إليه هذا القدر بعينه من الدراهم ، والثياب ؛ فلذلك لم يجز أن تقيم المصدر مقام الفاعل ، إذا كان معه مفعول على الحقيقة ، ولكنّه قد يجوز اين تقيم المصادر ، والظروف من الأمكنة والأزمنة مقام الفاعل ، إذا دخل المفعول من حروف الجر ما يمنعه أن يقوم مقام الفاعل ، وذلك نحو قولك : « سير بزيد سير شديد » ، و « ضرب بزيد عشرون سوطا » . المعنى : بسبب زيد ، ومن أجله ، و « سير بزيد يوم الجمعة » ، و « اختلف به شهران » ، و « مضي به فرسخان » ، و « مشي به ميلان » . أقمت هذه الأشياء مقام الفاعل ، وقد يجوز نصبها في هذا الموضع وإن كان المفعول مجرورا على ما أصف لك . فمن ذلك أنّك إذا قلت : « سير بزيد فرسخا » ، أضمرت السير ؛ لأنّ « سير » يدلّ على « السير » ، فلم تحتج إلى ذكره معه ؛ كما تقول : « من كذب كان شرّا له » ، تريد : كان الكذب شرّا له ، فلم تذكر « الكذب » ، لأنّ « كذب » قد دلّ عليه . ونظيره قول اللّه عزّ وجلّ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً « 1 » فلم يذكر « البخل » لذكره يَبْخَلُونَ . وجاز أن يكون المضمر « الطريق » . فكأنّه قال : « سير عليه الطريق فرسخا » ، فحذف لعلم المخاطب بما يعنى . وجائز أن تقيم المجرور مع المصدر والظروف مقام الفاعل ، فتقول : « سير بزيد فرسخا » فلا يمنعه حرف الجرّ من أن يكون فاعلا ؛ كما قال : « ما من أحد » ، ف « أحد » فاعل وإن كان مجرورا ب « من » . وكذلك قوله : أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ « 2 » إنّما هو « خير من ربّكم » . ف « من » لم تغيّر المعنى ، وإن غيّرت اللفظ . فهذا الذي ذكرته مشبّه بذلك في هذا الموضع إذا نصبت المصادر والظروف على مواضعها ، فلم تجعلها مفعولات على السّعة . فإن جعلتها مفعولات على السّعة ، فالوجه فيها الرفع ، لشغلك الأسماء بحروف الجرّ . واعلم أنّك إذا قلت : « سير بزيد سيرا » ، فالوجه النصب ؛ لأنّك لم تفد بقولك : « سيرا » شيئا لم يكن في « سير » أكثر من التوكيد .

--> ( 1 ) آل عمران : 180 . ( 2 ) البقرة : 105 .